قال المنصور :
كن موسرا إن شئت أو معسرا ** لابد في الدنيا من الغم
وكلما زادك من نعـــمة ** زاد الذي زادك في الهم
والهموم تفتك بالجسم وتهرمه . قال المتنبي :
والهم يخترم الجسيم نحافــة *** ويشيب ناصية الصبي ويهرم
وقد قرأنا كيف أن بكاء يعقوب على ابنه أفقده بصره ، وكيف أن الغم بلغ مداه بالسيدة عائشة عندما تطاول عليها الأفاكون - فظلت تبكي حتى قالت : " ظننت أن الحزن فالق كبدي " .
وترى المهموم حزينا مكتئبا . قال أحمد بن يوسف :
كثير هموم القلب حتى كأنمــا ** عليه سرور العالمين حرام
إذا قيل : ما أضناك ؟ أسبل دمعه ** فأخبر ما يلقى وليس كلام
ومن الناس من يستطيع كتمان همومه ، ويبدي لله نفسا راضية .
قال أسامة بن منقذ :
انظر إلى حسن صبر الشمع يظهر** للرائين نورا وفيه النار تستعر
كذا الكريم تراه ضاحكا جـذلا ** وقلبه بدخيل الهم منفطــر
ولربما ضحك المهموم وأخفى همومه ** وفي أحشائه النيران تضطرم .
قال الشاعر :
وربما ضحك المهموم من عـجب *** السن تضحك والأحشاء تضطرم
وقد ذم الرسول صلى الله عليه وسلم التكالب على دنيا الهموم فقال :
" من جعل الهم واحدا كفاه الله هم دنياه ، ومن تشعبته الهموم لم يبال الله في أي أودية الدنيا هلك " رواه الحاكم .
ويهدف هذا التوجيه النبوي إلى بث السكينة في الأفئدة ، واستئصال شأفة الطمع والتكالب على الدنيا . وفي ذلك يقول عليه الصلاة والسلام :
" من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه ، وجمع له شمله ، وأتته الدنيا وهي راغمة . ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه ، وفرق عليه شمله ، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له ".رواه الترمذي .
وقال أيضا : " تفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم ، فإنه من كانت الدنيا أكبر همه أفشى الله ضيعته وجعل فقره بين عينيه . ومن كانت الآخرة أكبر همه جمع الله له أموره